Skip to content

عَن الحُلم الأمريكي 

مارس 25, 2014

 

صورة

 

“لم يصبح الحلم الأمريكي، الذي جذب عشرات الملايين من الأمم إلى سواحلنا خلال القرن الماضي، حلم تحقيق الرخاء المادي، على الرغم من أن ذلك كان في الاعتبار من دون شك. لقد أصبح حلم القدرة على وصول الرجل والمرأة إلى أعلى درجة من التطور دون التقيد بالعوائق التي أقامتها الحضارات القديمة أو الأوساط الاجتماعية التي ظهرت لصالح الطبقات بدلا من أن تكون لصالح الإنسان البسيط الذي ينتمى لأى وكل الطبقات” 

كتاب الملحمة الأمريكية للمؤرخ والكاتب جيمس تراسلو ادامز

 

قبل حوالي العشر سنوات وأنا أعيش الحلم الأمريكي، مع كل فلم أمريكي، مع كل اختراع ومنتج نستهلكه، يظهر لي الحلم الأمريكي جلّيًا عن هذه البلاد التي هاجر لها الملايين. 

كنت أستيقظ مبكرًا في الصباح فقط كي أستلهم يوم كامل من الحلم بعد مشاهدة فيلم يتناول قصصهم وحياتهم. أحلم ببيت الشجرة وبذلك القبو أسفل منزلي ينمّي ابداعاتي الصغيرة، وأفكر كثيرًا بمبدأ الاستقلال الذي يفصلني قلبًا وقالبًا، مكانًا وزمانًا عن عائلتي لأُمارس حياتي بالطريقة التي أخطط لها دون تدخل من أحد.

كل ذلك كان مجرد فقاعات من الحوارات تدور داخل رأسي الذي تشبث بعظمة هذ الحلم، ومبدأه ومثاليته، كيف له أن يجعلني فردًا كالسلاح تمامًا، لمستوى القوّة والقدرة والحريّة التي بإمكاني أن أُمتّع بها كل عقلي وجسدي. 

لأعود لمن أنا في الحقيقة، فأنا فتَاة سعودية، وذلك يعني معرفتي لمعنى القيود الحضارية والثقافية والدينية تمامًا أكثر من أي فتاة أخرى على هذه الأرض، لذلك وجود الصراع مابيني وبين نفسي شبه دائم، ولأكون صادقة تغيّر ذلك كثيرًا في السنوات الأخيرة، من الانفتاح الذي نفخ روحه في أجساد الآباء ليصبحو أكثر انفتاحًا وتقبلاً لمعطيات جديدة لعصر متطور. ذلك الصراع الذي تعيشه أي شابه سعودية عاشت طفولتها ومراهقتها بين أسوار المجتمع المتمثلة بالعادات والتقاليد التي تُلزم الفتاة بنمط معيّن للعيش، وكيفية مدروسة لأماكن تحركها ونشاطها، وصورة واضحة لما يجب أن تكون عليه في المستقبل دون أدنَى تفكير بما تريده هيَ وبما تحلم به. 

إنّ ماحدث لي لأكتب هذه التدوينة عن الحلم الأمريكي هو سفري لتلك البلاد وكان ذلك حلمًا يتحقق، بالأخص أنّه كان قبل تقديمي على أوراق الابتعاث وذهابي هناك كمبتعثة وليس كزائرة فقط. 

ذهبت مع زوجي بالتأكيد ولا أعلم تمامًا الفرق بين أن أكون معه وبدونه، خاصة أنّ له تجربه غنيّة في أمريكا بعكسي، لذلك كان النقاش يحتد بيني وبينه كثيرًا ولم أقتنع تمامًا بوصفه للتجربة الأمريكية، ولم تتبدد صورة الحلم الأمريكي من عقلي أبدًا. 

زيارتي الأولى في شهر العسل والأخرى كانت التجربة الفعلية للعيش، والصورة الفعلية للحلم. لن أتحدث عن زيارتي في شهر العسل، فما عساها أن تكون، غير أماكن جميلة وفنادق مُذهلة، ومطاعم، وأماكن ترفيهية، سأتحدث عن التجربة الأخرى التي جعلتني أواجه الحلم بالواقع. 

أخيرًا واجهت حقيقة المثالية المطلقة للتجربة الأمريكية بشكل دقيق، بدئًا بأسلوب العيش، انتهاءً بأسباب الموت.

إنّ مايجعل آبائنا هُنا على قيد الأمل والحيَاة هوَ أننا نتنفس، وأننا حولهم، وأنّهم يبنون لنا بأيديهم مايبقى لنا سنينًا بعدهم، ومايقتل الآباء في أمريكا هوَ أنّهم ينفصلون تمامًا عن ابنائهم، وتقف تطلعاتهم واجتهاداتهم في حدود تطوير الذات فقط، وتركيزهم على هذه الذات شيء جيد، لكن تخيّل أن تبقى هذه الذات وحدها هيَ مايؤرق نومك طوال عمرك حتى مماتك، ولايشغلك غيرها ولاتتعدّى أهدافها ومتعها، تخيّل كميّة الروتين والتبلّد الذي يعود لمحور الذات نفسه كل مرّة فكّرت فيها بفعل شيء، أو القيام بتغيير ما، إنّ أوّل مايُلازم هؤلاء من الرغبات، هو الرغبة في إنهَاء حياتهم بأنفسهم، الإنتحار والتخلّص من هذه الذات التي أصبحت لاتُطاق في بُعد كل سبب مُحفّز للعيش غير الرغبات الشخصيّة.

إنّ الحلم الأمريكي مهزلة تعرف حقيقتها ما إن تعبر ٣ شوارع  مختلفة من المدينة نفسها، نعم إنّها مهزلة، ففي شوارع العاصمة واشنطن وأنا أمشي على أرصفتها التي تبدو ككنزة صوفيّة مُحاكة بصبر، كُنت سأضع قدمي على متشرّد ينام أرصفتها، ويتغطّى بغطاء أشك أنّه قطعة من الرصيف، حتى لايلحظه أحد، والعجيب في الشارع الآخر طابور لحفل موسيقي كلاسيكي يقف فيه نساء ورجال، يلبسون مايجعل عينيك تتسع أكثر لترَى روعة تفاصيل هندامهم، تلكم النساء اللاتي يرتدين معاطف الفرو، والكعوب الحمراء التي تلمع لتُشير للرفاهية أولاّ والجودة ثانيًا المتمثلّة بتسارع خطواتهنّ ليصلن لطابور الحفل بكل بساطة وسلاسة دون أن يشعرن بأيدي المتشردين المتجمدة من البرد فوق الأرصفة. 

وجود النقيضين في الشارع نفسه ليس ماأذهلني، ولكن وجودهم في عاصمة الولايات المتحدة، وجودهم في دولة ابتدعت الحلم الأمريكي والمساواة في الثروات والديمقراطية، شيء هزلي جدًا. أن ترَى مُدّعين القضاء على الفقر هُم أنفسهم من يبذل كُل شيء للطبقة المخملية ليزداد بؤس الطبقة المُعدَمة، وفي نهاية الأمر يعود الفضل أولاً وأخيرًا لأمريكا في كل شيء لأنها المُبادرة، ولأنّ مبادرتها نشأت عن تجربة فعلية داخلية فشلت أو بالأحرى لم تكترث لأمرها يومًا.

سخر من الحلم الأمريكي كتّاب كثر مثل جون شتاينبيك في كتابه “من الفئران والرجال”، والكاتب فرنسيس سكوت الذي كتب “غاتسبي العظيم” وقامت السينما بعرض عدد من الأفلام لنفس الكتاب، وكتب عديدة أخرى تتحدث بعمق عن تبدد هذا الحلم، وكونه مرتبط بالإغتراب الشخصي، والكثير من اللاأخلاقيات.

من الصعب أن أُقارن طريقة العيش في الولايات المتحدة بالعيش في السعودية، ولكنّي أُريد أن أعترف بالقناعات التي تغيّرت لدّي بعد زيارتها. كُنت مؤمنة أنّ بلادي تتدهوّر، والآن أعتقد أنّها تُعتبر من البلاد الناجية للآن على الأقل من ناحية إمكانية العيش فيها برخاء وذلك مايُفسّر عيش الكثير من الجنسيات الأُخرَى هُنا، حتّى وإن كان مستوى أحدهم التعليمي صفر، سيستطيع العيش، أمّا هُناك فالمُتعلم الدارس قد لايجد مايجده العامل الهندي في بلادنا هُنا. كُل مايتمسك به هو الإلتزام بالقوانين حتّى لايكلّف نفسه بالمزيد، ويضمن حقّه وقت الحاجه، وهذَا مايجعله إنسانًا رغم بؤس عيشه، أنّ له حقوق وعليه واجبات لايستطيع التآخر في آدائها، بعكس الوافدين لدينا ومايحصل من استغلالهم من قبل الكُفلاء أو العكس استغلالهم للدولة نفسها وماتوفره لهم بطريقة خاطئة ناتجة عن غياب حقوقهم بالتالي عدم الأمانة في آداء واجباتهم من جهتهم. 

يقول إيتالو كالفينو: المُدن كالأحلام، ومايبهرك في مدينة ما ليس روائعها السبع، أو السبع والسبعين، بل الجواب الذي تعطيه عن أحد أسئلتك. أشعر بالسعادة لمُجرّد كمّ الأجوبة التي حصلت عليها، أكثر بكثير من سعادتي بزيارة لديزني لاند، ونيويورك وواشنطن وماتحويه كل مدينة من معالم وجمَال. رغم كل شيء عيش تجربة مُختلفة كليًا عن ماتعيشه وماتدين به وماتلتزم به من عادات وتقاليد شيء يستحق التجربة، فتصوّري السطحيّ  تلاشَى تمامًا عن الحُلم الأمريكي، وبَاتت التجربة الأمريكيّة الخَاصّة التي عشتها، ذكريات فيها الكثير من الدروس التي عقلتها بجميع حواسي ومداركي. شُكرًا لله على كُل شيء ثُمّ شُكرًا لزوجي وائل على الأخذ بيدي لعيش هذه التجربة الغنيّة جدًا بما سنبقَى نذكره وتذكره بنا المُدن التي زُرناها هُناك معًا.

 

 

 

Advertisements

From → غير مصنف

4 تعليقات
  1. alsalem theeb permalink

    نعم اريد قهوتك ،،،روعه كتابتك ((عاشق لقهوتك المذهله منذ ٤سنين 🙂 ))

  2. Nasser Alqahtani permalink

    أعجبني المقال و ترجم مابداخلي كمبتعث سعودي في أمريكا عن أمريكا وأحلامهم الغابرة, شكراً لفنجانك وواصلي.

  3. مشاعل permalink

    ناهيك عن مستوى الأمن، المساواة المزعومة أو العدالة الجنائية الأمريكية!.
    كابوسا للقابعين فيه وسرابا في مخيلتنا.

    لا اكتفاء من قهوتك، شكرآ بشرى 3>

  4. لطالما كنت انظر لامريكا الصوره الزائفه لما تحمله في جوفها من واقع اليم. قوتها في خلال ماتبثه للعالم من خلال الاعلام وما اسميه بالاحلام
    تجربتك فريده استمتعت بقلمك : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: